FIRST INTERNATIONAL FORUM ON MEDIA AND INFORMATION LITERACY, FEZ, MOROCCO

كلمة سعادة الدكتور علي القرني

المدير العام لمكتب التربية العربي لدول الخليج

في الجلسة الافتتاحية

للمنتدى الدولي الأول حول التربية على وسائل الإعلام وتكنولوجيا المعلومات الحديثة

15 حزيران / يونيو، 2011

فاس، المغرب

 

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

       فالتاريخُ يُلزمني ألا أمرَّ بفاسٍ دونَ الوقوفِ بين يديها قارئًا. والعراقةُ تُجبرني ألا أغادرَ نَهَمي لمغانيها مُستطيبًا. والمحبةُ تقتضيني ألا أتجاوزَ لهفَتِي لأهلِها شائقًا. كيف لا، وأنا أتنسّمُ أكثرَ من ألفٍ ومئتي عامٍ من النبضِ الشفيف، في قلبِ مدينةٍ سَبَتْ نهرَها هُيامًا، وشغفهَا نهرُها حُبّا، فتعانقا في لوحةٍ لا يستطيعُ الجمالُ إلاّ أنْ يَحُجّ إليها، ما استطاعَ إلى ذلك سبيلا؟! " الكل في فاس " .

       فسلامٌ لفاس، وعلى فاس، عاصمةِ المغرب الأولى.. المغربِ الذي يفيضُ علينا من ثرائِهِ الثقافي والحضاري، ومن أصالةِ أهلهِ، وانتمائِهم الصادقِ للأمة، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وحكومتِه الرشيدة.

       وسلامٌ لكم، وعليكم، وأنتم تلتقونَ اليوم في رحابِ جامعة سيدي محمد بن عبد الله، حيث تحتضنُ كليةُ الآدابِ والعلومِ الإنسانية فيها الملتقى الدوليَّ الأولَ حولَ ثقافةِ الإعلام والمعلومات، لِتَعْبُروا بشؤونِكم وشجونِكم َ فضاءَ المعرفةِ المفتوح، وبحرَ الثقافة الإنسانية الحديثة، من خلال الوقوف على مستوى ما حققته المجتمعات المعاصرة من إنجازات، كان للإعلام فيها الأثر الكبير.

       ويزدادُ دورُ وسائلِ الإعلام، ووسائطِ الاتصالاتِ في أيامِنا هذه خطرًا، ما يجبرُ كلَّ القائمين على الشأنِ التربوي، أن يراجعوا وقوفَهم أمامَه، ليكونوا أبعدَ ما يكونونَ عن التخوُّفِ المملوءِ عاطفةً على النشء، ويتحولوا من فورِهِم إلى جِدِّيةٍ صريحة، بعيدةٍ عن التأويلات، التي طالما أُدرجتْ تحتَ عنوان سدِّ الذرائع، فيبادروا إلى تأسيسِ الأداءِ النقدي، القائمِ على الوعيِ بالمرحلة، وأهميةِ ما فيها من تسارعٍ، وتغيير.

       لن يكفيَ التعليمُ الذي خَبَرناه، ولن يُجديَ التحذيرُ الذي أدْمَنّاه، لأنَّ مصادرَ التعليمِ لم تَعُدْ طَوْعَ يمينِ أحدٍ بمفردِه، مثلما لم يَعُدْ التحذيرُ كافيًا، أمامَ هذا الزحفِ الإعلامي، الخارجِ عن السيطرةِ والرقابة. لذا، لا بدَّ من العملِ على رفعِ مستوى المناعةِ عندَ أبنائِنا، ومضاعفةِ قدرةِ طلبتِنا على احتواءِ هذا الإبهارِ الإعلامي الطاغي، بل وعلى تجاوزِهِ، والوعيِ بكارثيَّةِ التلقي السلبي، واتخاذِ الموقفِ الصحيحِ من المتناقضات، التي تغزو كلَّ دقيقةٍ من أعمارِهم.

       هذا لا يعني أنَّ وسائلَ الإعلام، بما تأتي به خطيرةٌ في ذاتِها، مغاليةٌ في طروحاتِها، لكنَّ وقوفَ طلبتِنا  منها موقفَ المتلقي هو الخطير، بينما يمكنُهم أن يُفيدوا منها أيّما فائدة، كونُها قادرةً على الإسهامِ الكبير في تنشئتِهم الثقافيةِ والاجتماعية، بل والسياسيةِ أيضًا، آخذينَ بعينِ الاعتبار،  أن ثقافةَ الإعلامِ والمعلومات منبرُ حوارٍ لهم مع أقرانهم من ذوي الثقافات الأخرى.

       وهذا يقودُنا حتمًا إلى مناقشةِ ما نقدمُهُ نحنُ لهم من إعلام، فنسألُ أنفسَنَا، متجردينَ من الانحياز إلى الثابتِ فينا، ومن الرفضِ للمتغيرِ في مجتمعاتِنا، ومؤسساتنا.. نسأل: هل نقدمُ لطلبتِنا على مقاعدِ الدراسةِ ما يجعلهم واعينَ بحقيقةِ ما يجري حولَهم من إعلام؟ وهل يقدمُ لهم إعلامُنا الرسميُّ إعلامًا معاصرًا، قادرًا على تجنبيهِم بريقَ إعلامٍ وافِدٍ، ليس لهم في قبولِهِ خياراتٌ كثيرة، ولا يملكون في ذاتِهم أدواتٍ ومهاراتٍ تكفي لتحييدِ غريبِه، وردِّ السلبيِّ منه؟

       إنَّ الإعلامَ التقليديَّ، الذي لا تزالُ دولُنا تعيشُ فصولَهُ بامتياز، لا يستطيعُ – بأي حالٍ من الأحوال- الابتعادَ في أثرهِ وتأثيرهِ عن الجانبِ الدعائي، والفرقُ كبيرٌ، بل هائلٌ بين الدعائيِّ والتوعوي. وهنا يكمنُ دورُ التربويين، الذين يستطيعون –  إن أرادوا، أو قَدَرُوا، وهُيئتْ لهم الساحةُ، أن يُثروا مقاعدَ الدراسةِ بالإعلامِ الصحيح، الذي ينمو دورُهُ بسرعةِ المتغيراتِ المذهلةِ كلَّ يوم.

       لا بد من وضعِ استراتيجيةٍ تربويةٍ إعلاميةٍ واضحةِ المعالم، لا يحتاجُ مفهومُها، أو تفهمُها،  إلى قيامِ جدليةٍ تستهلكُ الوقت – كما تعودنا في كثيرٍ من الأمور - لكنها تتجهُ مباشرةً إلى صياغةِ قُدرةِ طلبتِنا على الاتصال، بعدَ وضعِ المفهومِ الإعلاميِّ أمامَهم كما هو، معْ تحديدِ وظائفِهِ في حياتِهم بوضوحٍ لا لَبْسَ فيه.

       يجب علينا أن نُخرجَ أبناءَنا من دائرةِ التلقي، إلى ميدانِ المشاركةِ الإعلامية، وإلى مستوًى من الوعي، يستطيعونَ عندهُ أن يُجربوا النقدَ والتحليلَ والتقييمَ والرصدَ والوصلَ والتوصيل، والاستخدامَ الأمثلَ للشبكةِ العنكبوتية، وتعزيزَ وعيِهِم بأنظمةِ الإعلامِ والمعلومات المسئولة، من أجلِ بناء مجتمعات ثقافية إعلامية ومعلوماتية.  

       أخشى أننا - من حيث لا ندري - نستهينُ بدورِ الإعلام كأداةٍ أساسيةٍ صانعةٍ لثقافةِ الطلبةِ في هذا العصر.. الإعلامِ الذي تخضعُ لقوانينِهِ الملايينُ من مشاهدي التلفاز، وقارئي الصحفِ والمجلات، ومتابعي البرامجِ الإذاعية، والانغماسِ فيما أفاضتْ عليهم به التقنيةُ الحديثةُ من آلاتٍ عجيبة، لها القدرةُ على سلبِ عقولِهم، وتفصيلِها، ليتعلقوا بها بلا تردُّدٍ، وبلا حدود.. ولعل الألعابَ الإلكترونيةَ التي تستولي عليهم، خيرُ دليلٍ على ذلك، معْ ملاحظةِ أنَّ كلَّ ما يقومون به، إنما ينطوي على قيمةٍ إعلاميةٍ، بطريقةٍ أو بأخرى... وقبلَ هذا كلِّه، لا بدَّ لنا أنْ نذكرَ جيدًا، أن أبناءَنا يقضون مع هذا الإعلام وقتًا أكثرَ بكثير، من ذلك الذي يقضونَهُ على مقاعدِ الدراسة.

       فأيةُ هيمنةٍ للإعلام هي أكثرُ من هذه، وهي ماضيةٌ في تشكيلِ أفكارِ وتوجهاتِ أبنائِنا، وصناعةِ الهُويةِ الشخصيةِ لهم؟  إنَّ هذا الإعلامَ، بأدواتِهِ المختلفة، أضحى مُحرّكًا فاعلاً في تكوينِ الرأيِ الجماعي. وما هذا الهيجانُ العربيُّ عنا ببعيد، وما ثوراتُ شبابنا التي تملأ العديد من ساحاتِ وميادين أوطانِنا عنا بأبعد.

الأخواتُ والإخوة:

       حتى الأمسِ القريب، كانت ناشئتُنا تتلقى المعرفةَ من المدرسةِ في إيقاعٍ بطيء. وكان المعلمُ يبدو وكأنَّ في يديه مفاتيحَ المعرفةِ كلِّها، أو هكذا كنا نرى، أو كانَ هو يظن، كونُهُ عينًا مبصرةً في آفاقٍ زَحَمَها العمى، ولسانًا ناطقًا بين عناوينَ بَكْماء!!

       لم يتسامحِ الانفجارُ المعرفيُّ مع سذاجةِ هذه النَّظَرات، فاختلفَ به الأمرُ، إلى الحدّ الذي صودرتْ معهُ الأعينُ والألسُنُ والأسماعُ والأفئدة. لم تَعُدِ المدرسةُ وحدَها مصدرًا للمعرفة، إلا من خلالِ مناهجَ عفا عليها العصر، ومعلمين لا يزالون – في غالبيتهم – يتمترسون وراءَ قناعاتٍ تعليميةٍ انتهت صلاحياتُها. صارَ الإعلامُ بتقنياتِهِ ووسائلِهِ وأدواتِهِ مدرسةً أكثرَ جاذبيةً، وتعليمًا أبقى أثرًا.. فإذا بمعلمِنا الطيبِ الذي يُجاوِرُنا جسدًا وروحًا، قد أصبحَ صورةً على صفحةِ فيس بوك، أو اسمًا مجهولاً على أعمدة التويتر، وربما شبحًا على أرصفةِ منتدًى إلكتروني، أو نافذة ِدردشة، أو عبارةً في جَسَدِ مدوّنة. لقد فُتِح الفضاءُ علينا عن آخره ، فافتُضِح حالُنا بمظاهرِه.. فماذا نحنُ فاعلون؟

الأخواتُ والإخوة:

       إنَّ دورَ الأسرةِ محوريٌّ في هذا الميدان، فعلى عاتقِها – أباءً وأمهاتٍ – تقعُ مسؤوليةُ التربيةِ الإعلامية، بالاشتراكِ مع المدرسةِ بمعلميها ومربيها ومشرفيها، والمناهجِ المقررة فيها، وفي الوقتِ نفسهِ مع صانعي القرار. وبدونِ تكامُلِ هذه الأطراف، لن تُجديَ كلُّ المحاولاتِ لصنعِ الوعيِ بين أفرادِ مجتمعاتِنا، وفي مقدمتهم طلبتُنا. ولعلَّ أُولى الأولوياتِ التي تجبُ مباشرتُها، هي وضعُ المناهجِ والأساليبِ والوسائلِ المناسبة، لتدريسِ لغةِ الإعلامِ والاتصال.

       إن أي تأخير في هذا الإطار، إنما يعني الرحيلَ عن الحياة، التي أصبحت السرعةُ مفردتَها الواضحة، والتي أصبح اتخاذُ القرار فيها الخطوةَ الكُبرى لإثبات الوجود. لو تخيلنا شابًّا يتنقل بين الفضائيات ومواقع الإنترنت، ويستخدم في الوقت ذاته وسائلَ الاتصال، لوجدنا أن عليه إصدار الآلاف من القرارات في ثوان معدودة.. تمامًا كمنْ يتبضعُ في سوقٍ كبيرة، يبحثُ فيها عن سلعةٍ ليبتاعَها، وعليه أنْ يتخذَ قراراً يُفاضلُ به بينَ عشرينَ ألفَ سلعةٍ ضمّتها السوق، ليختارَ واحدةً منها فقط.. ما يعني أنهُ في ثوانٍ قليلة، عليه أن يتخذَ قرارًا واحدًا فيما يرغبُ فيه، وعشرينَ ألفَ قرارٍ - إلا قرارًا واحدًا - باستبعادِ ما لا يريد... وهذه معجزةٌ إنسانيةٌ مذهلة، ولعلَّ هدفَ الثقافةِ الإعلامية، إنما يأتي لتسخيرِ هذه القدرةِ الذهنيةِ لخدمةِ قراراتِ الاختيار، أو الاستبعادِ، لما يأتي به الإعلام.

       لا تزالُ الثقافةُ الاعلاميةُ مصطلحًا غريبًا على اللغةِ العربية، ولا تكادُ تعثرُ على محتوًى عربيٍّ على شبكة المعلومات في هذا الجانب، بينما هو في الدولِ المتقدمةِ مصطلحٌ ناضجٌ وَمُؤَصَّل.. وفي سبيلِ تعميقِ تجربتِنا في الثقافةِ الإعلامية، وفي وسائلِ تأصيلِها، حرَصَ مكتبُ التربيةِ العربي لدولِ الخليج على تنفيذِ برنامجٍ للثقافةِ الاعلامية، يهدفُ إلى تضمينِها المنهج التعليمي، وإدخالِ الثقافةِ الإعلاميةِ في هذا المنهج، من أجلِ تحقيقِ مهمةٍ تربوية، تتمثلُ في تمكينِ الطلبةِ من التعاملِ مع وسائلِ الإعلامِ ومعطياتِها، وتسخيرِها فيما يعودُ بالفائدة عليهم، مع الحفاظِ على الهُوية الثقافية، في ظل ظروف بالغة التعقيد والتطورات. وفي هذا السياق تأتي اليومَ مبادرةُ مكتبِ التربيةِ العربي لدولِ الخليج إلى التشاركِ في عقدِ هذا المؤتمر، معَ الشركاءِ الرئيسين: منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ( اليونسكو )، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو ) .

       لندعوَ أنظمتنا التعليميةَ والسياسية، إلى أن تعيَ أنّ أطفالَنا ويافعينا وشبابَنا ومَن هم أكبرُ منهم، يعانون عجزًا لا لبسَ فيه عن فهمِ المضمون الإعلامي الحقيقي، وأنَّ التقهقرَ مستمرٌّ ومُطّردٌ في السنينِ الأخيرة، فصرنا في حاجةٍ أكيدةٍ إلى محوِ أميّة إعلاميةٍ، على الرغم مما تملكُهُ دولُنا ومؤسساتُنا من إمكانات، لم تُسخّرْ بعدُ في تحصيلِ المعرفةِ الإعلامية، وتوظيفِها كما ينبغي.

الأخواتُ والإخوة:

       إن قيام هذا الملتقى في هذه الجامعة الزاهرة، بما في عناوينه من بُعدِ رؤية، وما في أهدافِهِ من سموّ قيمة، وما في وجود الشركاء من معنى، لهو دليلٌ على أننا قادرون على الوصول، لأننا نملك الإبداع، والإرادة، ونعرف أنه قد فاتنا الكثير، وأننا لا نريد  نحيا طويلاً بلا رجاءٍ في الإبداع، إلا من صدفة نادرة، أو لمحة عابرة، لأننا أبناءُ أمةٍ مانت رائدةً للمعرفة، وتأبى الهمةُ إلا أن تكون كذلك.

       الشكر كلُّهُ لجامعة سيدي محمد بن عبد الله، وللقائمين عليها، على الاحتضان والتنظيم.. والتحيةُ للشركاء في هذا الملتقى، على الإسهام والإثراء، والشكر موصولٌ لكلِّ مشاركٍ، ومستقبِلٍ، ومحاوِر، ممن يسهمونَ اليوم في بناءِ مجتمعاتنا الثقافية الإعلامية، لتأخذ مكانها الصحيح في جَنباتِ هذا العالم الفسيح، حيث يدور هذا الإعلامُ دورتَهُ في زمنٍ قياسي، فيأتينا بغتةً، يحمل في طياته خيرًا وشرًّا، وفسادًا وإصلاحًا، وخوفًا وأمنا.. ولنا الخيرة من أمرنا في ذلك كله، ولكن حين نكونُ واعينَ صادقينَ واثقين..

       أسألُ اللهَ تعالى أن يهيّئ لنا من أمرِنا رَشَدا، وأن يُكلِّلَ أعمالَنا بالنجاح.

       والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،.

 

Commentaires

24.09 | 17:11

Thank you Madam for the huge and interesting information you'd provide us with

...
24.09 | 17:04

Excellent madam

...
22.09 | 15:44

Merci beaucoup

...
21.09 | 17:31

Thank so much for these useful information I appreciate your work

...